السيد محسن الأمين
168
أعيان الشيعة
وان أسئ إليك فاغفر ، وان أحسن إليك فاشكر ، وان ابتليت فاصبر ، احفظ العبر واحذر الغير ، انصح المؤمنين ، وعد مرضاهم ، واشهد جنائزهم ، وأعن فقراءهم ، اقرض خلطاءك ، وانظر غرماءك ، والزم بيتك ، واقنع بقوتك ، تخلق باخلاق الكرام ، واجتنب اخلاق اللئام ، اعلم يا بني ان المقام في الدنيا قليل ، والركون إليها غرور ، والغبطة فيها حلم ، وكن سمحا سهلا خزينا أمينا ، وكلمة جامعة اتق الله في جميع أحوالك ، ولا تعصه في شئ من أمورك قال خالد بن صفوان رأيت رجلا شتم عمرو بن عبيد فما أبقى شيئا ، فلما سكت قال له عمرو : آجرك الله على الصواب وغفر لك الخطا وسئل الحسن عن قوله تعالى جده ان الذين يشترون بعهد الله وايمانهم ثمنا قليلا ما الثمن القليل ؟ قال الدنيا بحذافيرها وحكي ان بعض أهل البطالة مر بالمسيح ع وقد توسد حجرا فقال يا عيسى قد رضيت من الدنيا بهذا الحجر ؟ فقذف به اليه وقال هذا لك مع الدنيا لا حاجة لي فيه وقال آخر من ذا الذي بلغ جسيما فلم يبطر واتبع الهوى فلم يعطب ، وجاور النساء فلم يفتن ، وطلب إلى اللئام فلم يهن ، وواصل الأشرار فلم يندم ، وصحب السلطان فدامت سلامته . وقال أمير المؤمنين ع . ان أخيب الناس سعيا وأخسرهم صفقة رجل أتعب بدنه في آماله وشغل بها عن معاده فلم تساعده المقادير على ارادته ، وخرج من الدنيا بحسرته ، وقدم على آخرته بغير زاد وقال ع : قبح الله الدنيا ! فإنها إذا أقبلت على انسان أعطته محاسن غيره ، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه وقال المسيح ع لقوم غلوا فيه : اني أصبحت لا أملك ما أرجو ، ولا أستطيع دفع ما أجد ، وانا مرتهن بعملي والخير كله بيد غيري ، فأي فقير أفقر مني ، وأي عبد أحوج إلى مولاه مني أسمع رجل الأحنف فأكثر ، فلما سكت قال الأحنف : يا هذا ! ما ستر الله أكثر وقال الأحنف : العجلة في خمسة أشياء محمودة : في الكريمة إذا خطبها كفوء ان تزفها ، وفي الميت حتى تخرجه ، وفي عيادة المرضى حتى تخرج من عنده ، وفي الصلاة إذا حضر وقتها حتى تؤديها ، وفي الضيف إذا نزل حتى تدني اليه الطعام وقيل للحصين ما السرور ؟ قال : عقل يقيمك ، وعلم يزينك وولد يسرك ، ومال يسعك ، وأمن يريحك ، وعافية تجمع لك المسرات سمع أمير المؤمنين رجلا يغتاب رجلا عند ابنه الحسن ع فقال يا بني نزه سمعك عنه ، فإنه نظر إلى أخبث ما في وعائه فافرغه في وعائك وقال سفيان الثوري : إذا لم يكن لله في العبد حاجة خلى بينه وبين الدنيا وقال بعض النساك : الوحدة رأس العبادة وقال ذو النون : من انس بالوحدة كان الحق مؤنسه وقال آخر من انس بالوحدة فقد اعتقد الاخلاص وقال قيس بن عاصم . السؤدد هو بذل الندى وكف الأذى ونصرة المولى . تزوج اعرابي امرأة جميلة وكان الاعرابي دميما فقالت له يوما : اني أرجو ان أكون انا وأنت من أهل الجنة ! فقال : ومن أين حكمت لنا بها ؟ قالت لأنك أعطيت مثلي فشكرت ، وأعطيت مثلك فصبرت . وقيل ليس من شريطة العقل ان يتعجل الإنسان غم ما لم يصبه ، فيجعل ساعة السرور غما ، وساعة الراحة تعبا ، فيضاعف بذلك على نفسه الغموم . وسئل بعضهم من الحكيم ؟ فقال : من عرف معائب الدنيا ، وذلك أن من عرف معائبها لم يغتر بها ولم يركن إليها وقال بعضهم وكان مر بباب دار وأهلها يبكون ميتا فقال : عجبا لقوم يبكون مسافرا قد بلغ منزله . وقيل لزاهد : من الزاهد في الدنيا ؟ قال الذي لا يطلب المفقود حتى الموجود . أوحى الله تعالى إلى داود ع : بشر المذنبين وأنذر الصديقين فكأنه عجب ، وقال أبشر المذنبين وأنذر الصديقين ، فقال نعم بشر المذنبين انه لا يتعاظمني ذنب أغفره ، وأنذر الصديقين ، ان لا يعجبوا باعمالهم وقال آخر أربعة أشياء لا ينبغي ان يستقل قليلها الذنب الصغير ، والدين اليسير ، والعدو الحقير ، والحرص القليل . اعلم أن رأيك لا يتسع لكل شئ ففرغه للمهم ، وان مالك لا يغني الناس كلهم فاخصص به أهل الحق ، وان كرامتك لا تطبق العامة فتوخ بها أهل الفضل ، وان الليل والنهار لا يستوعبان حاجتك ، فبادر باجداها عليك . أوحى الله تعالى إلى داود طهر ثيابك الباطنة فان الظاهرة لا تنفعك عندي ، يا داود لو رأيت الجنة وما أعددت فيها لقل نظرك إلى الدنيا ، وأفضل من الجنة ان ارفع حجبي عني وأقول أين المشتاقون . وقيل إن العجز عجزان التقصير في طلب الأمر وقد أمكن ، والجد في طلبه وقد فات وكان الأصمعي يقول احضر الناس جوابا من لم يغضب . وقال جعفر الصادق ع : إياك وسقطة الاسترسال فإنها لا تستقال وأجمعت الحكماء على أن أوضع الناس من عمل على الرهبة ، وأجمعت على أن من عاتب ووبخ فقد استوفى حقه . وأجمعت على أن خير الناس من نفع الناس وأذل الناس من تاه على الناس . وبلغ المنذر ان شيخا في بعض الاحياء أتت عليه مائة وعشرون سنة ، في اعتدال من جسمه ، ونضارة في لونه ، وقوة في نفسه ، مع نشاط وشهوة ، فبعث اليه واحضره ثم سأله عن سيرته ؟ فقال : ما احتملت هما يبعد علي مدافعته ، ولا طاولت قرينة أكرهها ، ولا اجتمع في جوفي طعامان ، وإذا أردت شرب شراب شربته رقيقا طيبا لا أثمل معه ، وإذا اجتمع في بدني خلط استفرغته ، وخلة واحدة وجدتها من انفع الخلال في صحة البدن ما استدعيت الباه بحركة الا ان تهيج به الطبيعة فإذا كان ذلك أقللت الحركة بقية يومي واخذت من الغذاء والنوم بحظ . وقيل في حفظ الصحة : لا ينبغي ان تأكل الا على نقاء تام وجوع صادق من طعام موافق وتكف عن الطعام وأنت تشتهيه . ولا تبادر إلى شرب الماء حتى تستوفي غذاءك ، وتصبر بعده ساعة ، وترتاض قبله بحركة معتدلة ، ولا تأكلن في ظلمة ، ولا تنم تحت شجرة مجهولة ، ولا تطعم ما لا تعرفه ، ولا من طعام حار جدا ، ولا محترق ولا دسم جدا ، وليكن طعامك خبز البر واللحم الرخص ، وشرابك ماء الكرم الرقيق الصافي ، وجماعك للشابة ، وخدمك الولدان ، ورفقاؤك المساعدون من أهل الفضل . أنفاس المرء خطاه إلى اجله . وأمله خادع له عن عمله . وكان الحسن البصري يقول : رحم الله أقواما كانت الدنيا عندهم وديعة فأدوها إلى من ائتمنهم عليها وراحوا خفافا وقال : قد رأينا من أعطي الدنيا بعمل الآخرة ، وما رأينا من أعطي الآخرة بعمل الدنيا . وقال يحيى بن معاذ : عجبت ممن لم يبق له مال ورب العرش يستقرضه . سال إبراهيم بن أدهم راهبا : من أين تأكل ؟ فقال : ليس لهذا جواب عندي ! ولكن سل ربي من أين يطعمني وقال آخر : مسكين ابن آدم لو خاف النار كما يخاف من الفقر لنجا منهما جميعا ، ولو رغب في الجنة كما رغب في الغنى لوصل اليهما جميعا ولو خاف الله في الباطن كما خاف خلقه في الظاهر لسعد في الدارين . وقال شقيق : اختار الفقراء ثلاثة أشياء . واختار الأغنياء ثلاثة اما الفقراء فاختاروا اليقين وفراغ القلب وخفة الحساب ، واما الأغنياء فاختاروا تعب النفس وشغل القلب ، وشدة الحساب . وقال يحيى بن معاذ : ان العالم إذا لم يكن زاهدا فهو عقوبة